إذا كانت القيادة تعني رسم التوجه وإحداث التغيير فإن الإدارة هي المسؤولة عن تنسيق الجهود لإنجاز العمل بانضباط واتساق، ورغم الحاجة الواضحة لتكامل الطرفين نحو هدف مشترك تكشف الأبحاث العالمية لديل كارنيجي (Dale Carnegie) أن هذا التكامل غالبًا لا يحدث على أرض الواقع.
والنتيجة؟
تجد الإدارة الوسطى نفسها عالقة في المنتصف بين القيادة العليا والموظفين المنفذين، ومكلَّفة بترجمة توجهات القيادة وأهدافها إلى تعليمات وممارسات واضحة لفرقها في وقت ينبغي فيه أن يفهم الجميع الرسالة بالطريقة نفسها.
لماذا الإدارة الوسطى في موقع بالغ الحساسية؟
يزداد الأمر تعقيدًا كون المدير في المستوى الوسيط مطالبًا بإدارة جانبين في آنٍ واحد: احتياجات العمل، واحتياجات الأفراد، وهذا يعني أن المدير الناجح يحتاج إلى إتقان أساليب القيادة الفعالة، إذ يتنقل خلال يومه بين أكثر من دور، فهو مدير من جهة، وقائد مباشر لفريقه من جهة أخرى.
ولتحقيق النجاح في هذا الدور المزدوج يصبح مستوى عالٍ من التواصل والقدرة على تقديم المعلومة بتأثير أمرًا ضروريًا لما له من انعكاس مباشر على جوانب متعددة في بيئة العمل، والسؤال الذي تطرحه الأبحاث: هل تُقدّم المؤسسات فعلًا مستوى التدريب الكافي لبناء هذا التناغم عبر التواصل الفعّال، خصوصًا في مستوى الإدارة الوسطى؟
الإجابة وفق الأدلة البحثية هي لا، فالشركات ما زالت تواجه تحديات حقيقية في التواصل الفعّال، رغم أن تحسين هذا الجانب ينعكس مباشرة على الرضا الوظيفي، ونية الاستمرار في العمل، ومستوى تفاعل الموظفين، وغيرها من مؤشرات بيئة العمل الأساسية.
المواقف والتوقعات: ماذا يقول الموظفون؟
استطلعت ديل كارنيجي آراء أكثر من 3500 موظف من الرؤساء التنفيذيين إلى الموظفين العاديين عبر قطاعات مختلفة وفي 11 دولة:
- 44% يعتقدون بشدة أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر طريقة عملنا وحياتنا خلال السنوات العشر المقبلة.
- نحو 66% يشعرون بدرجات متفاوتة من القلق بشأن فقدان وظائفهم.
- 70% ينظرون بإيجابية إلى إسناد المهام الروتينية للذكاء الاصطناعي والتفرغ لأعمال ذات قيمة أكبر.
تتفوق الآلات في البيئات التي تتطلب مستويات منخفضة من الذكاء الإبداعي والاجتماعي، ولذلك يسهل أتمتة المهام الروتينية، أما الأنشطة التي تعتمد على الحكم البشري والتواصل والتفكير الاستراتيجي والابتكار فما زال الإنسان يتمتع فيها بميزة واضحة.
أهمية الإدارة الوسطى كجسر بين المستويات
تُشكّل الإدارة الوسطى الجسر الذي يربط القيادة بالموظفين المنفذين، وتتحمل مسؤولية إيصال رؤية القيادة إلى الفرق، وتُحاسَب عادةً بناءً على النتائج مقارنة بالأهداف الموضوعة، وهذا يضع المدير الوسيط أمام ضرورة العمل ضمن حلقات تغذية راجعة متعددة المستويات في آنٍ واحد.
ومع توجه كثير من المؤسسات نحو هياكل أكثر لامركزية وأقل طبقات هرمية يبقى التواصل الفعّال والقدرة على إيصال المعلومة أساسًا لا غنى عنه، بل ربما أكثر أهمية من ذي قبل، خاصةً مع ازدياد عدد الأصوات المشاركة في صنع القرار، وحتى في الهياكل الأكثر انفتاحًا يبقى للموقع الوظيفي أثر في كيفية تدفق المعلومة واستقبالها والتصرف بناءً عليها.
المدير - بحكم ما يقوم به من أدوار فعلية لا بحكم المسمى الوظيفي فقط - غالبًا ما يكون مسؤولًا عن الإشراف على التنفيذ والعمليات، وهو ما يستلزم طبقات من التفاعل والمساءلة، ويبقى المدير حلقة حاسمة في نجاح أو فشل توجهات المؤسسة، حيث تلعب جودة التواصل ووضوحه دورًا محوريًا في ذلك.
وهذا لا يعني التشكيك في الهياكل التنظيمية القائمة، بل دعوة للنظر إليها بموضوعية من منظور كل الأطراف المعنية، والتساؤل: هل نُجهّز فريق العمل فعلًا للعمل بأعلى مستوى ممكن؟ في حالة الإدارة الوسطى تشير البيانات إلى أن الإجابة في الغالب هي لا.
الأداء والتغيير: من يتحمل المسؤولية؟
بالنظر إلى دور الإدارة كحلقة وصل بين القيادة والمنفذين لا يمكن إنكار أهميتها المحورية، فهي تتولى تحفيز الفرق، ومواءمة الجهود مع الأهداف الأشمل، والإشراف على العمليات اليومية، مع العمل في الوقت ذاته على تحقيق أهداف بعيدة المدى، والإدارة الوسطى ليست مجرد محطة عبور نحو القيادة العليا، بل هي قيادة فعلية ذات تأثير مباشر على نجاح المبادرات أو فشلها.
من السهل أن تنسب القيادة العليا لنفسها الفضل عند النجاح، وتُلقي باللوم على الإدارة عند الإخفاق، ولكن بما أن دور المدير هو ترجمة توجهات القيادة إلى ثقافة عمل ومهام يومية فإن أي قصور في النتائج ينبغي ألا يبدأ بلوم المدير، بل بمراجعة وضوح وفعالية التواصل من الأساس، إذ إنّ أفضل الجهود الإدارية قد لا تُثمر إذا كانت الرسالة نفسها ضعيفة الصياغة أو غير مفهومة لدى الأطراف المعنية.
وقد أظهرت أبحاث ديل كارنيجي حول العمل الجماعي فجوة واضحة ومستمرة بين تقييم القادة وتقييم المدراء لمستوى التواصل داخل فرقهم، وهي فجوة أشبه بلعبة "الهاتف المكسور"، لكن بمخاطر أكبر بكثير كون المدير هو حلقة الوصل بين الاستراتيجية والتنفيذ.
كما أكدت دراسة ديل كارنيجي العالمية لعام 2024 وجود هذا الانفصال بين القادة والمدراء والموظفين المنفذين فيما يخص التواصل، مع انخفاض تدريجي وملحوظ في تصورات جودة التواصل كلما اتجهنا من القيادة نحو المستويات التنفيذية؛ وهي نتائج ذات دلالة إحصائية، أي أنها لا تعود للصدفة.
من يحصل على التدريب ؟ ومن يحتاجه فعلًا؟
المثير للانتباه أن الدراسات أظهرت أن القادة هم من حصلوا على أكبر قدر من التدريب على التواصل خلال السنوات الثلاث الماضية، ومع ذلك فإن المدراء والموظفين المنفذين هم من صنّفوا التواصل كأحد أهم المهارات الناعمة لمستقبل العمل، وذلك بنسبة أعلى من تصنيف القادة أنفسهم له.
بعبارة أخرى: من يحتاج التدريب أكثر يحصل عليه أقل، وهذا يعزز ضرورة أن تحظى الإدارة الوسطى بنفس المستوى من الاستثمار التدريبي الذي تحظى به القيادة العليا؛ كونها الحلقة المسؤولة عن استقبال المعلومة، وإعادة صياغتها، وإيصالها للفرق بما يتوافق مع مقصدها الأصلي.\
الفرصة: خمس مهارات لتعزيز التواصل والتأثير
تشير أبحاث ديل كارنيجي إلى أن تطوير الإدارة الوسطى كطبقة تواصل فعّالة عبر جميع مستويات المؤسسة يمر عبر خمسة مجالات رئيسية:
● بناء التأييد (Creating Buy-In): تنظيم الأفكار قبل الحديث، مع مراعاة السياق عند صياغة الرسالة وتقديمها بأسلوب يتناسب مع الجمهور.
● التأثير في الأفكار (Influencing Ideas): الانتباه لطريقة بدء التفاعل، وأهمية الكلمات الختامية في تشكيل الانطباع والأفكار التي يخرج بها الآخرون.
● بناء المصداقية أمام الجمهور (Building Credibility): الاستناد إلى البيانات والأدلة لدعم الطرح، وتوضيح "السبب" وراء كل فكرة أو طلب.
● تحسين التفاعل والمشاركة (Improving Interactions): الانفتاح على الأسئلة والتحديات باعتبارها فرصة لتحسين جودة الحوار والمشاركة.
● تحفيز الفريق على اتخاذ إجراء محدد (Motivating Action): التواصل بثقة وطبيعية أكبر لتحفيز الآخرين على التحرك الفعلي.
عندما يمتلك المدير هذه المهارات فإنه لا يقتصر على تنفيذ التوجيهات، بل يتحول إلى محفّز حقيقي للمساءلة والتعاون على مستوى المؤسسة كاملة؛ بحيث يشارك الجميع في بناء عملية تواصل فعالة ومستدامة.
الخلاصة
المؤسسات التي تركّز باستمرار على الإنتاجية والكفاءة والنمو على حساب الاستثمار في جودة التواصل الداخلي تصنع بنفسها العقبات التي تعيق نجاحها، فرغم أن التواصل مفهوم بسيط نظريًا إلا أن تطبيقه الفعلي لا يزال بحاجة لمسافة طويلة لتحقيق التميز، خصوصًا لمن يديرون مهام متعددة يوميًا.
الإدارة الوسطى بحكم موقعها كحلقة وصل تتفاعل مع جميع مستويات المؤسسة، وتمتلك فرصة فريدة لإحداث فرق حقيقي في جودة التواصل التنظيمي، وبشكل لا تستطيع أي فئة أخرى تحقيقه بالقدر نفسه، وفي بيئة أعمال عالمية يمثل فيها التغيير القاعدة لا الاستثناء فإن تعزيز مهارات التواصل والتقديم لدى هذه الفئة يمنح المؤسسات ميزة تنافسية دائمة.
هذا المقال مستند إلى ورقة بحثية أعدّها د. روبرت كولمان، مدير الأبحاث والريادة الفكرية في Dale Carnegie & Associates، ضمن الجهود البحثية العالمية المستمرة لديل كارنيجي حول قضايا القيادة والتواصل في بيئات العمل.
لمعرفة المزيد عن برامج ديل كارنيجي لتطوير مهارات التواصل والقيادة للمستوى الإداري الوسيط في السعودية، تواصل معنا:
فريق ارتياد للتدريب، الوكيل الحصري المعتمد لديل كارنيجي في المملكة.
تواصل معنا